خوف على الحراك ومنه

خوف على الحراك ومنه

جورج غرة

منذ انطلاق الحراك في السابع عشر من الشهر الماضي يعتصر لبنان خوفان: خوف على الحراك، وآخر منه. وفي الحالتين فان النتيجة سترتد على البلد وأهله.

الخوف على الحراك ضروري خشية استغلال بعض من فيه لتصفية حسابات داخلية تتعدد أسبابها. وهو الخوف ذاته من أن ينحرف هذا الحراك عن طريق الصواب فيسقط في الفوضى والغوغائية، إذ أن بعضاً من هذين العنصرين راح يتبدى كثيراً، وخصوصاً منذ اسبوعين . وهنا بالتحديد يرتفع منسوب الخوف عليه لأنه شكل لحظة استثنائية في تاريخ لبنان للانطلاق باقرار سلسلة تشريعات كان مجرد طرحها سبباً لتعقيدات داخلية.

أما الخوف من بعض الحراك فهو بما تردد عن اجتماع باريس الثلاثي أمس الثلاثاء والذي ضم فرنسا والولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا. وهذا الخوف لا ينتقص من صواب الكثرة النقية التي شاركت وتشارك انطلاقاً من وجعها المعيشي ومن تمسكها بوطنٍ تريده دولة قوية وعادلة .

مثل هكذا اجتماع وبحسب هوية المشاركين يعني ان ما يحصل في لبنان يكتسب طابعاً استثنائياً، ما يجعل طبيعته مثار قلق وخوف من استخدام الحراك لصالح خارج ما ويأتي ناراً على لبنان ومن فيه، وذلك انطلاقاً من كون الدول علاقات ومصالح وليست جمعيات خيرية .

وما يرفع من درجة التحسس إزاء هكذا اجتماع هو ترقب مدى تقاطع او تنافر رؤى وتقديرات العواصم الثلاث: باريس، واشنطن ولندن، وما تفكر به حتى تجعل من لبنان أولوية، في حين ان سلم الأولويات الدولية حالياً مُزدحم على مساحة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

وبعيداً عن نظرية "المؤامرة" وارهاصاتها فان قراءة استرجاعية للتاريخ اللبناني، أو لتواريخه القلقة والاضطرابية تظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن لبنان كان على الدوام "ساحة" للتصارع بين قوى القرار الكبرى او "صندوقة بريد" يتم من خلالها تبادل رسائل أمنية وعسكرية لم تؤثر إلا على حياة اللبنانيين ومستقبلهم.

وما يبعث على الريبة أيضاً، هو ان الحراك وقبله الاداء السياسي منذ رفع الاحتلال السوري عن لبنان كشفا عن هشاشة النظام السياسي وعجزه عن معالجة الأزمات المتتابعة. طبعاً لا مسؤولية ابدا على الحراك بالشق الصادق منه والذي لا يتحرك بناء على اجندات خارجية أو وفقاً لتعليمات منظمات المجتمع المدني (أن جي أوز). المسؤولية في هذه الحالة ستكون على من يرتضي أن يكون لبنان ساحة لنزاع دولي، ومتنفساً لاحتقان الدول الكبرى وصراعها على موارد المنطقة.

ما يعزز الخوف، هو التوجه الفعلي نحو اسقاط المؤسسات الدستورية، وآخرها ما حصل ضد مجلس النواب، ومن قبله قرار رئيس الحكومة سعد الحريري الاستقالة، التي سبقتها ثمانية أيام من دون أي مبادرة تحول الورقة الاصلاحية الى واقع يرفع عن كاهل الناس الثقل الاقتصادي لسنوات اتفاق الطائف.

في مثل هكذا وضع لم يعد يكفي حراك الخليلين والوزير جبران باسيل وجهود رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لانجاز التكليف وتأكيد التأليف. وصارت لزوماً أخلاقياً وسياسياً على الجميع مخاطبة اللبنانيين عن طبيعة المرحلة السياسية وأخطارها التي تلف لبنان كله . فمزيد من الفوضى لا يعني غير ايقاع المزيد من الأضرار بالمؤسسات، وترفع من وتيرة سرعة الانهيار المالي . ان ما يحصل على المستويين الإقليمي والدولي وفي ظل فوضى الشارع صار يفوق قدرة لبنان واللبنانيين على الاحتمال .

لقد كانت سمة لبنان على امتداد تاريخه "التسويات" السياسية بين متناقضات. والظرف الحالي يستدعي وبسرعة قصوى ابتكار تسوية مهما كانت طبيعة التضحيات وحجمها.

وللتذكر والتفكر فقط: ما هي طبيعة المرحلة التي تجعل لبنان عنواناً لاجتماع في باريس يضم فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا فيما يغيب عنه أي حضور لبناني؟.