الأساطير المؤسسة للحريرية

الأساطير المؤسسة للحريرية

جورج غرة

إذا ما انتهت المشاورات والاتصالات السياسية إلى إعادة تكليف الرئيس المُستقيل سعد الحريري بتشكيل الحكومة المُزمعة ، فعلينا الاستعداد للاستماع الى ترنيمات من نوع : "ضمانة لبنان" ، "عنوان الاستقرار" ... وغيرها من عبارات تقديس الزعامة على ما فيها من سجع اللغة العربية.

أكثر من ذلك ، إذ سيكون هناك استدعاءً للشهيد الرئيس رفيق الحريري ليعين الابن على تنكب عناء المنصب الذي ما برح يُنشده ويروم إليه ليل نهار. ولهذا الغرض سيطل الرئيس المكلف وكأنه مهموماً بمخاطبة الفقراء والمتظاهرين مع الوعد بمحاسبة المرتكبين ، علماً انه لم يسبق للحريري وفائه بالوعود سواء بخديعته الشهيرة عن توفير ٩٠٠ الف وظيفة جراء مؤتمر سيدر ، أو سواء بالاعلان عن "بقٍ للبحصة" اثر أزمة احتجازه في الرياض ، ناهيك عما بين الاثنين من وعود انمائية جذرية لم تُترجم على أرض الواقع.

ولكون المرء المؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين ، فان الشيء البالغ الاهمية الذي ينبغي التنبه إليه هذه المرة الحملات الدعائية التي سترافق تكليفه وما فيها من وعود ذات طبيعة استثنائية ، وهي سياسة كان باشرها الحريري الأب منذ اضطلاعه بشؤون الحرب الاهلية عن بعد ورغبته الجامحة بتصدر الشأن العام وأبلغ تعبيراتها كان في التمويل لهذه الجهة ونقيضها، وأيضاً في مشروع اعادة اعمار وسط بيروت الذي عرضه مطلع الثمانينات على رئيس الجمهورية الأسبق امين الجميل.

ستنطوي اللغة التي سيخاطب بها الحريري الابن اللبنانيين على "استثنائية" والكثير من التعابير المُفَخمة التي تستدعي التعامل معه من قبل مؤيديه على انه "المُنقذ والخلاص" . وهي لغة أوجدها الأب قبل نجله .

آنذاك أقلع الحريري الأب كل ماكيناته الاعلامية والدعائية عن قدراته الاستثنائية على النهوض بالبلد المثخن بجراح الحرب الأهلية ، بالتوازي مع الحرب على سعر صرف الليرة مقابل الدولار ، ما جعل الناس تُصاب بهلعٍ أخذها إلى الشارع خوفاً من تجدد مآسي الحرب ، وخشية من فقدان فرصة السلم الأهلي الذي توافدوا عليه منهكين في حين كان البلد يجثو على بساط اليأس. كل هذا جاء مصحوباً بقدرة عن توفير الكهرباء لكل لبنان عبر بواخر سترافقه بحراً وهو على متن طائرته.إلى هذا الحد تلاعب الحريري بخيال اللبنانيين بعدما فعل الأقسى في عقولهم عبر حرب الجوع والعوز.

مع الحريري الابن صارت "الاستثنائية" التي تؤسس للحريرية تكمن في أن يجوب دول العالم سفراً بدعوى حماية لبنان وتثبيته على الخارطة الدولية. ومثل هكذا عنوان يُخاطب غرائزيا الميل اللبناني الفطري والعام للادعاء والاستعراض ، واستطراداً هو ميل يشمل نمط الحياة في المأكل والملبس والمقتنيات ... الخ.

وطالما ان السردية عن "اساطير" الحريرية لا تنفك تتكرر في كل الظروف والأحوال ، فما ينبغي الوقوف عنده هو التدخل الدولي والإقليمي لصالح هذه العائلة على حساب لبنان كله ، وأخذ الحريري إلى حيث القدرة على الفعل ، وليس إلى حيث مسارح ادعاء "الاستثنائية" ، التي كانت سبباً لقهقهة عميقة عند العقلاء ، فيما كانت ألماً حاداً وعميقاً أيضاً للفقراء ومتوسطي ومحدودي الدخل.