عن أخطاء الوزراء والأمين العام وتحدّيات الوزير الجديد: "الخارجية" ليست بخير عن أخطاء الوزراء والأمين العام وتحدّيات الوزير الجديد: "الخارجية" ليست بخير
عن أخطاء الوزراء والأمين العام وتحدّيات الوزير الجديد: "الخارجية" ليست بخير

أخبار البلد - Wednesday, September 15, 2021 6:01:00 AM

الأخبار

شهدت وزارة الخارجية أول من أمس حادثة قاسية، ليست منعزلة عن سياق له خلفيّاته السياسية والإدارية، وهو مستمر منذ سنوات عدة. لكن المشهد المسيء الذي تمثّل في لجوء عناصر أمنية وعسكرية الى استخدام العنف من أجل تنفيذ أوامر ذات طابع إداري، يعيد الى الأذهان الصورة القاسية التي طبعت وزارة الخارجية عندما لجأ الوزير السابق جبران باسيل إلى إدخال جهاز أمن الدولة إلى الوزارة، بحجة التحقيق في تسريبات لوثائق دبلوماسية.


وسط كل هذه المعمعة، كانت هناك إشكالية كبيرة استندت الى المسار الذي اعتمده الأمين العام لوزارة الخارجية السفير هاني شميطلي بعد تولّيه مهامه عام 2017. الدبلوماسي المفترض أنه غير محسوب على مرجعية سياسية محددة في لبنان، ولديه استقلالية محسوبة، وضع تصوراً خاصاً لإعادة تنظيم العمل الإداري يستند الى ما يراه كدبلوماسي من مشكلات. لكنه دخل في اشتباك مع عدد كبير من السفراء والموظفين الإداريين. لم تكن كل إجراءاته خاطئة، لكنه كان بارعاً في استخدام السلطة بطريقة تعسفية أضرّت بالعمل في مواضع كثيرة، وجعلته مصدر شكوى موثقة في برقيات وتقارير ومحاضر اجتماعات بين عدد غير قليل من السفراء والموظفين مع الوزراء الأربعة الذين تعاقبوا على العمل مع السفير شميطلي. وهو ارتكب العديد من الأخطاء، الناجمة ليس حصراً عن اعتقاده بأن ما يقوم به هو الصحيح، بل ارتكب بعض الأخطاء الناجمة عن مشكلة في شخصيته العامة.

وعندما نعود الى حادثة استدعاء باسيل الأجهزة الأمنية للتحقيق مع الدبلوماسيين، وانتهاء الأمر بالادعاء على السفير علي المولى، كان شميطلي مساهماً في هذه الجريمة التي لا تزال مستمرة الى اليوم، ولم يبادر الى الدفاع عن سفير له دوره الجدي، لكنه غير محظيّ نتيجة عدم ارتباطه بالمرجعيات الطائفية أو السياسية في لبنان. بل إن شميطلي مارس الصمت المريب، ولم يدافع عن الموظفين الذين يعملون «تحت إمرته». حتى إنه أدلى بإفادات غير صحيحة وحاول التراجع عنها، لكن همّه كان في مكان آخر.


ما حصل مع الوزير باسيل ومع الوزيرين: ناصيف حتّي وشربل وهبة، عاد وتكرر مع الوزيرة زينة عكر، أي أن شميطلي تمسّك بنصوص قانونية اعتبرها أساسية في إدارة كل تفاصيل العمل الإداري والدبلوماسي. ولطالما ظهرت عليه علامات «الشخصنة» في إدارة الأمر. يتصرف مثل ناظر مدرسة يحب إعطاء الأوامر وإصدار مذكّرات التأنيب والعقاب، أو مثل بيروقراطي يكتفي بإرسال طلبات من دون ملاحقة الموظفين لإنجاز الأمر في الموعد المطلوب. وحتى بالاستنكاف عن الذهاب نحو السلطة الأعلى، سواء كان وزيراً أو مرجعيات في البلاد بحثاً عن طريق لتحصين الجسم الدبلوماسي. وما الإقامة المذلة لجسم الوزارة بعد انفجار المرفأ إلا أحد الشواهد على عدم قيامه بالمعركة المفترضة من قبله كرئيس إداري للجسم العامل في الوزارة، متذرعاً طوال الوقت بأن القرار بيد الوزير.


شميطلي تعرّض لحملة بخلفيات سياسية وحتى طائفية من موظفين ودبلوماسيين تصرّفوا على أساس حقهم بفرض عرف بتجاوز الأمين العام للوزارة، وهذا ما فعله سفراء عملوا في مكتب الوزراء: باسيل وحتّى ووهبة. وعمل آخرون من تحت الطاولة ومن فوقها وهم في موقع إداري رئيسي في الوزارة. وكانت هناك على الدوام خليّة تحريض ضده لأسباب لا تتصل بأخطاء حقيقية يقوم بها. بل لحسابات أخرى، من بينها سعي بعض المديرين في وزارة الخارجية الى انتزاع أدوار على حساب التراتبية والهيكلية.


عند تولّي الوزيرة عكر مهمة وزارة الخارجية بعد إقالة الوزير شربل وهبة، كان التوتر قد حكم علاقتها بالأمين العام. ظهر ذلك منذ الأيام الأولى لشغلها منصبها. عكر معروف عنها مثابرتها وجهدها الإداري الكبير. وليس صحيحاً أن أحداً في هذه الجمهورية أو خارجها كان يتوقّع منها بناء سياسة خارجية للبنان. لكن عكر كانت تعرف استخدام خبراتها الإدارية، ونفوذها الجدي في مؤسسات الدولة نتيجة موقعها كنائب ــــ حقيقي ــــ لرئيس الحكومة أو حتى كوزيرة للدفاع، واستغلال علاقاتها القائمة قبل دخولها الى الحكم، من أجل تحقيق أمور كثيرة في الواقع الإداري لوزارة الخارجية. ويعرف سفراء وموظفون أنها دخلت في مواجهة من أجل تنظيم موازنة الوزارة، وأنها سارعت الى وضع تصور لمعالجة أمور إدارية وتنفيذية في مركز الوزارة في بيروت أو في ما خصّ البعثات في الخارج. وهي استفزّت بعض السفراء والموظفين نتيجة إصرارها على تنظيم النفقات العامة وتسريع المعاملات وتعزيز واردات الوزارة.

كانت هناك ملاحظات كثيرة على عمل الوزيرة خلال هذه الفترة. ربما لم تحسن استخدام طاقات الفريق الموجود في بيروت. أو هي أخذت بالاعتبار حسابات ذات طابع إداري بحت، متجاوزة واقع أن وزارة الخارجية ليست كأي مؤسسة إدارية عامة في الدولة. وربما لم تجتمع مع الأشخاص الأكثر فعالية وخبرة وكفاءة في الوزارة. وربما هي كانت قاسية في تعاملها مع الأمين العام نفسه. وحصل بينهما ما جعل الأمر يتفاقم الى حدود الخطأ الكبير الذي ارتكب يوم أول من أمس، حيث لم يكن هناك أبداً من داع لبناء جدار أو لباب في أحد الأجنحة وهي تعرف أنها تغادر الوزارة في اليوم نفسه (علماً بأن قرار وضع باب كان قد اتخذ منذ زمن طويل ورفض الأمين العام التنفيذ)، ولا في الطلب الى مرافقيها فتح الباب بالقوة وسحب الهاتف من يد الأمين العام أو يد موظف آخر يقوم بتصوير المواجهة ــــ علماً بأن تدقيقاً أظهر أن الأمين العام كان ينتظر مثل هذه الخطوة لأجل تصويرها ــــ لأن العسكريين المرافقين ارتكبوا خطأ لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، ويجب أن يكون هناك تحقيق بتفاصيل هذا العمل.


لكن المشكلة لها أسبابها الأخرى، وهي تتصل بالأمين العام نفسه. وهو الذي يستعد للتقدم بدعاوى مختلفة، ونشر ما يعتقد أنه حق له لتبيان ما يعتبره مخالفات إدارية ارتكبتها الوزيرة عكر. وهو جمع ووثّق مجموعة من القرارات والتعاميم مع ملاحظاته لأجل ما يعتبره حقاً له في توضيح ما يقول جازماً إنه مخالفة متعمّدة للقانون من قبل الوزيرة عكر.


لكن هل ما قام به أول من أمس، لناحية قرار إقفال بعض الأجنحة وبعض الأبواب والطلب الى بعض الموظفين عدم التحدث مع الوزيرة كان مبرراً من الناحية القانونية؟


هناك عدة آراء، من بينها لوزراء سبق أن خدموا في حكومات عدة، وأحدهم وزير الدفاع الأسبق يعقوب الصراف، الذي يقول بأن النصوص القانونية والأعراف المعتمدة تقود الى تحميل الأمين العام مسؤولية في ما حصل أول من أمس. يقول صراف «إن المدير العام أو الأمين العام في الإدارة العامة هو مسؤول عن جميع الموظفين وعن حسن عمل كل الإدارة حتى عن مكتب الوزير وليس فقط لدائرة أو قسم أو مكتب. وهو أيضاً مسؤول عن تطبيق تعليمات الوزير، بإعادة توزيع المساحات على الموظفين وآليات العمل والتفاوض. وإذا لم يوافق على تعليمات الوزير، عليه حصرياً إبلاغ التفتيش المركزي ولا يحق له اتخاذ قرار عكسي». ويضيف صراف إنه «لا يحق للأمين العام منع أي موظف من اللقاء بالوزير من دون إذنه أو موافقته، كما لا يحق له أن يكون له جناح حصري في أي وزارة، ولا يحق له منع الوزير من دخول أي غرفة أو مكتب أو بهو، كما لا يحق له أن يستحوذ حصرياً على مفتاح أي قسم أو غرفة (حتى مكتبه) باستثناء خزانته الشخصية، بل يجب عليه إعطاء جميع مفاتيح مكاتب الوزارة، بما في ذلك مكتب الوزير الى عنصر الأمن المناوب من أجل ضمان السلامة العامة».


كذلك يقول صراف إنه لا يحق للأمين العام «حفظ أو حجب أي معاملة من دون تبرير أو حجبها عن الوزير، لأنه يمنع عليه أصلاً التمرد على تعليمات الوزير، كما أنه يحتاج الى إذن خطي موقع من الوزير من أجل تصوير المستندات، كما يمنع عليه الإدلاء بأيّ تصريح صحافي أو إعلامي، من دون تقديم طلب خطي والاستحصال على موافقة خطية. بالإضافة الى أنه يمنع عليه الادعاء على أي شخص مادي أو معنوي من دون موافقة الوزير».


أما لناحية التفسيرات حول اعتبار الوزيرة مستقيلة وممنوعة من الدخول الى الوزارة بعد صدور مراسيم تأليف الحكومة الجديدة، فإن صراف يقول بأنه لا يحقّ للأمين العام «تفسير أو اعتماد تفسير دون رأي الوزير وفي حال فترة التسليم والتسلم، بل يبقى الوزير المستقيل مسؤولاً عن المعاملات التي وصلت إلى الوزارة قبل صدور مرسوم الحكومة الجديدة لحين التسليم والتسلم وإبلاغ نموذج واعتماد توقيع الوزير الجديد من قبل الإدارات العامة والخاصة والمصارف والسفارات، ويوجد اليوم اجتهاد بأن للوزير حق توقيع كل ما يلزم لإنفاذ قرارات مجلس الوزراء التي اتخذت قبل قبول استقالة الوزارة حتى لو أتت المعاملة في فترة التسليم والتسلم».


ويلفت صراف الى أنه من جانب الأعراف والمنطق في تطبيق القوانين، فإن «رفض تعليمات الوزير بحجة أنه ليس لديه صفة كون مرسوم الحكومة قد اتخذ، هو غير سليم كون الوزير المستقيل يحق له الدخول الى مكتبه وإلى جميع إدارات وزارته لأي سبب كان ومنها: إنهاء عمله، والقيام بجميع الترتيبات اللازمة لتنفيذ قرارات مجلس الوزراء التي اتخذت قبل إصدار مراسيم الحكومة، وتحضير مستندات وتقارير التسليم والتسلم بما فيها تحضير الحسابات (حساب المهمة) وتسديد السلفات في ذمة الوزير وإحالة جميع المعاملات الموجودة على مكتبه قبل التسليم والتسلم».


ما حصل في وزارة الخارجية وما يحصل منذ سنوات عدة، يجعل هذه المؤسسة أمام خطر محدق. والتعديل الوحيد الذي يحتاج إليه الوزير الجديد عبد الله بوحبيب لأجل القيام بعمل منتج، هو المبادرة فوراً الى إعفاء أعضاء اللجنة الإدارية الثلاثية (الأمانة العامة، ومديرية الشؤون السياسية ومديرية الشؤون الإدارية) من مهامهم، والمبادرة الى توقيع تشكيلات تنقل جميع من يشغل هذه المديريات، أو حتى السفراء المكلفين بإدارة مديريات أخرى، الى العمل خارج لبنان، وهو موعد مستحق لهؤلاء، والمسارعة خلال أسابيع قليلة الى استدعاء فريق جديد من البعثات في الخارج لأجل تركيب فريق عمل يكون أكثر انسجاماً بالمعنى الوظيفي والمهني وبعيداً عن الحسابات ذات الخلفيات المتصلة بمصالح المرجعيات الطائفية أو السياسية القابضة على روح البلاد والعباد.


وزارة الخارجية ليست بخير. ما حصل أول من أمس من حادثة اعتداء على الأمين العام هو عمل شائن يجب إدانته، وترك الأمور على حالها مع أمين عام صار مصدر مشكلة لغالبية العاملين في الوزارة هو إهانة للجسم الإداري في الوزارة وفي الدولة أيضاً...

 

مقالات مشابهة

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني