سويسرا الشرق إرث المحبّة سويسرا الشرق إرث المحبّة
سويسرا الشرق إرث المحبّة

خاص - Sunday, December 5, 2021 5:29:00 PM

باتريك إيليّا أبي خليل

 

للوهلة الأولى يُظنّ الحديث جارٍ عن بلد الأرز الذي ارتقى حتّى لُقّب بأجمل البلدان الأوروبيّة، إنّما هذه المرّة يُسكب العنوان في كأس صحراء الإمارات التي ارتوت بنفطها وروت العالم بما يشبه المعجزة بتحوّلها من رمال قاحلة بدويّة إلى ينبوع التطوّر والإزدهار، حين عرفت كيف تتمدّن وتتمدّد جسوراً وطرقاتٍ وناطحات سحاب وبنى تحتيّة ومرافق حيويّة، فتُخضعها لثورة حقيقيّة لا مثيل لها بين كلّ ثورات تاريخ البشريّة. ثورة تطوّر حضاريّة، إقتصاديّة، سياسيّة، مقوننة ومحترمة، ثورة فكر وانتماء عرفت كيف تقيّم وتستثمر مواردها الطبيعيّة لاستقطاب العالم إلى حدودها بعدما كانت دونه أهميّة واعتباراً. فاستحقّت عن جدارة لقبها الجديد، ذاك الذي فرّط به جارها لبنان حين طرد العالم من قلبه، جباله وشواطئه، بانغماسه في إجازة دامية دامت منذ منتصف السبعينات، ومازالت آثارها مؤجَّجة مدجَّجة بالإنشقاقات المتجدّدة والخلافات المستولَدة التي تغرقه في مستنقع رمال متحرّكة عند كلّ مناسبة محليّة، عربيّة، إقليميّة، عالميّة، كوكبيّة، مجرّيّة، كونيّة، فيهبّ شعبه مللاً مللاً منقسماً على ذاته، دعماً لكلّ ما يُستنبش من قضايا وعناوين إلّا تلك الوطنيّة الحقيقيّة المنسيّة أو على حسابها.

ربّما الواقع يتجلّى في حبّ الناس لأولادهم في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، حيث صنعوا لهم من العقم رحم وطنٍ أزهر ثقافةً، مستقبلاً، إستقراراً، أمناً وأماناً، مؤسّساتٍ مرموقةً يُحتذى بها، مصافٍ وموانئ ومطارات بمواصفات عالميّة، قوانين عادلة وصارمة، نظاماً مدماكاً مهيّئاً لأجيال الأجيال وما بعدها، إذ ما من حبّ أعظم من ذاك المبذول الذي يوهبه الأهل لأطفالهم، فعلاً وقولاً، عبر خميرة مجبولة في قالب دولة تكون لهم وطناً يضاهي النجوم.

لكن الغريب المريب في بلدنا، خاذل اللّقب وفاقده، هو مدى تعلّقنا بالقشرة الحاضرة الحيّة على أمجاد ماضٍ ممزّق، وإهمالنا القاطع والبات لمستقبل بات دامساً في بلد العجائب حيث الغرائب تفرمل قطار التقدّم، وتغرز خطوط سكّته في قعر أرض مبلّلة بثروات نفطيّة نائمة هائمة في دوّامة التناسي الموجّه والإهمال المقصود والمؤامرات التنازعيّة، وتضغط زرّ الصراعات والمهاترات التي أتت بمفعولها العكسيّ. فمن دولة صاعدة في منتصف القرن الماضي إلى حرب دويلات دمويّة، وأزمات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة مزمنة، وتصدّع مؤسساتها الصحيّة والتعليميّة العامّة، إلى اهتراء قوانينها، وابتكار نظام مرقّع على أنقاض سابقه المفرقَع، فانحسار هيبة ما تبقّى من دولة كانت ستُكبّل في نوم نفقيّ عميق تنازع الحياة على أجهزة العناية الفائقة لولا صمود الجيش الوطنيّ والقوى الأمنيّة الجامعة والحاضنة، رغم كلّ الضربات الموجعة التي تلقّتها من الغريب والقريب على أنين إمكاناتها وتواضعها. حتّى بات إرثنا الوحيد لأولادنا مزمار خجل مرصّعاً ظاهراً بألحان كلمات جبران وأمجاد فخر الدين وعبقريّة الصبّاح، وصدئاً باطناً بنفحات تخلٍّ وإفلاس ويأس وبؤس وشؤم.

أبطريقة الترقيع والإصطناع يُؤمّن مستقبل وطن الأجيال القادمة ؟ أهكذا نحبّ فلذات قلوبنا ؟

 

 

مقالات مشابهة

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني