عهود عاهدت الأزمات ورؤساء وصلوا على صهوة تسويات: 2022.. أي تسوية واي رئيس؟
عهود عاهدت الأزمات ورؤساء وصلوا على صهوة تسويات: 2022.. أي تسوية واي رئيس؟

خاص - Thursday, September 22, 2022 2:06:00 PM

على بعد 39 يوما من مغادرة رئيس الجمهورية ميشال عون قصر بعبدا وعودته الى الرابية، بدأت الاصوات تعلو داعية لاحترام الدستور واجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. وانطلقت التحذيرات من مغبة الدخول في فراغ رئاسي على غرار ما حصل في المراحل السابقة. ويترافق كل ذلك، مع مؤشرات وظروف لا تشي بأرضية مهيّئة للمجيء برئيس جديد على الاقل في المدى المنظور.
اعتاد لبنان في العهود السابقة، على التسويات الرئاسية التي لا تبصر النور قبل تسوية دولية ما، او سخونة سياسية او امنية تشعل الساحة اللبنانية الى حين ان "تستوي الطبخة" ويأتي الرئيس.
هذه التسويات شهدناها مرارا وتكرارا، في المراحل قبل عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي وصولا الى عهد الرئيس ميشال عون.
وفي ما يلي سرد سريع للظروف والاوضاع السياسية والامنية التي عبّدت الطريق امام الرؤساء السابقين في مرحلة ما بعد الطائف.

عهد الرئيس الياس الهراوي(24 تشرين الثاني 1989 – 23 تشرين الثاني 1998):
ما ان استشهد الرئيس رينيه معوض، حتى سارع السياسيون اللبنانيون لايجاد بديل عن الرئيس الراحل. وكان لبنان ما زال يعيش حالة من عدم الاستقرار في ظل الميليشيات المسلحة، وكان هناك حرص كبير على عدم العودة الى الوراء خصوصا بعد توقيع اتفاق الطائف. فتوافدت العديد من الشخصيات الى منزل رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني ووقع الخيار على اسم الياس الهراوي بعد جوجلة الاسماء بدعم سوري.
يذكر ان الهراوي تأخر في الدخول الى قصر بعبدا بعد انتخابه، بسبب وجود ميشال عون فيه على رأس حكومة عسكرية تألفت من الضباط الستة الأعضاء بالمجلس العسكري.
وفي اواخر عهد الهراوي، حصل التباس حول من سيخلفه، الا انه جرى التمديد له في نهاية المطاف لثلاث سنوات جديدة.

عهد الرئيس اميل لحود من (24 تشرين الثاني 1998 - 23 تشرين الثاني 2007):
مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي سنة 1998، كان الرئيس الهرواي يعي تماما ان حظوظ تمديد ولايته مرة ثانية شبه معدومة. وكان الرئيس رفيق الحريري قد عرض على لحود رئاسة الجمهورية مقابل وضع حد لسلاح "المقاومة" (حسب ما ينقله مقربون من لحود)، الا ان لحود رفض هذا الامر رفضا قاطعا. وقد وقع الخيار لاحقا عليه، بعد دعم كبير من الرئيس السوري حافظ الاسد بسبب موقفه من "المقاومة" بشكل اساسي (ودائما على ذمّة المقربين من لحود).
كان عهد الرئيس اميل لحود مليئا بالازمات والتفجيرات والتغيّرات الكبرى. فشهد لبنان على عهده انقساما سياسيا عموديا بين ما عرف بفريقي 8 و14 آذار، كما اغتيل كل من الرئيس رفيق الحريري وبيار الجميل وانطوان غانم وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار أمين الجميل ووليد عيدو. ولم تقتصر الاحداث الامنية على الاغتيالات، فقد كانت حرب تموز مع اسرائيل واحدة من الاحداث الامنية الضخمة التي شهدها عهد الرئيس لحود.

في 20 أيار 2007، اندلعت اشتباكات بين الجيش اللبناني وحركة فتح الإسلام في مخيم نهر البارد شمالي البلاد، حيث شهد المخيم حربا ضروسا سقط فيها 158 شهيدا للجيش واستخدمت فيها كافة انواع الاسلحة، كما ساهمت مروحيات الجيش اللبناني في عمليات القصف.

وفي 3 ايلول 2007، قتل زعيم حركة فتح الإسلام شاكر العبسي وتمكن الجيش من بسط سيطرته على المخيم وانتهت المعركة.

بعد خروج لحود من قصر بعبدا، اشتد الصدام بين فريقي 8 و14 آذار، وفشلت كل المبادرات للاتفاق على شخصية مارونية لتولي الحكم، كما انقسم الفريقان على عناوين عدّة ابرزها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وكيفية انتخاب رئيس الجمهورية وشرعية الحكومة.

في ايار 2008، اندعلت احداث ما عرف بـ"7 ايار"، بعد ان سيطر حزب الله على بيروت واحتل مراكز تيار المستقبل واحرقها، احتجاجا على صدور قرارين من الحكومة برئاسة فؤاد السنيورة بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

احداث 7 ايار كانت الشرارة الكبرى التي وضعت حدا للفراغ الرئاسي والاقتتال الداخلي. فبين 16 و21 أيار 2008، انعقد مؤتمر الحوار الوطني اللبناني في الدوحة، بمشاركة القادة السياسيين اللبنانيين، الذين أكدوا التزامهم بإنقاذ لبنان وإنهاء الأزمة السياسية الحالية وتداعياتها بين اللبنانيين والتزامهم بالمبادئ التي كرسها الدستور اللبناني واتفاق الطائف. وتوّج اتفاق الدوحة، بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية في 25 ايار 2008 باغلبية 118 صوتا من اصل 128.

عهد الرئيس ميشال سليمان (25 ايار 2008 – 24 ايار 2014):
واكب عهد الرئيس ميشال سليمان تطورات اقليمية ودولية ضخمة من الانسحاب الاميركي من العراق وبدء الربيع العربي وبداية الحرب السورية. وترافق ذلك مع سقوط اتفاق الدوحة، واستعار الخلاف بين الرئيس سليمان وحزب الله بعد خرق الاخير لاعلان بعبدا الذي نص على الحياد وسياسة النأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية، بدخوله ساحة المعركة داخل الاراضي السورية الى جانب النظام السوري.

وعلى الصعيد الامني، لم ينعم لبنان باستقرار في تلك الفترة، اذ ان تفجيرات عدّة شهدها، الهبت الساحة اللبنانية وأجّجت الصراع المذهبي. وشكلت ظاهرة احمد الاسير احد اشكال الصراع السني – الشيعي التي سرعان ما تحولت الى صراع عسكري بين مناصريه من جهة والجيش اللبناني من جهة أخرى.
تلت معركة عبرا، تفجيرات ارهابية داخل مناطق عدة في الضاحية الجنوبية. ولم تسلم طرابلس من شبح الانفجارات، حيث هز انفجاران مسجدي التقوى والسلام عقب صلاة الجمعة في 23 آب 2013، اسفرا عن مقتل وجرح العشرات. وتوجهت اصابع الاتهام الى النظام السوري وحزب الله.
في 24 ايار 2014، غادر الرئيس سليمان قصر بعبدا لتدخل البلاد مرحلة فراغ رئاسي امتدت لسنتين ونصف، وسط اصرار فريق 8 آذار على ترشيح العماد ميشال عون في مقابل رفض تام له من فريق 14 آذار.
في 18 كانون الثاني، تبنى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ترشيح عون الى رئاسة الجمهورية ووقعا يومها ما عرف باتفاق معراب الذي نص على بنود تعهد الطرفان الالتزام بها.
في 20 تشرين الاول، اعلن رئيس تيار المستقبل سعد الحريري تبني ترشيح عون لرئاسة الجمهورية.

وهكذا نضجت التسوية الرئاسية، بعد ان أمّن عون اكثرية الاصوات في البرلمان اللبناني. ولاقت هذه التسوية قبولا من السعودية وايران وفرنسا بعد ان روّج لها اطراف الداخل.

عهد الرئيس ميشال عون (31 تشرين الاول 2016 – 31 تشرين الاول 2022): انطلق عهد الرئيس عون بزخم كبير وتفاؤل بالاصلاح والعمل للنهوض بالبلاد. الا ان ثورة 17 تشرين والازمات التي لحقتها، ناهيك عن الخلافات فيما بعد بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية من جهة وبين "التيار" وسعد الحريري من جهة ثانية، قلبت الامور رأسا على عقب. ودخلت البلاد في آتون صراعات سياسية ومواجهات وازمة مالية ضخمة. كما كان لتفجير المرفأ وقع كبير على لبنان واللبنانيين.

عهد الرئيس عون شارف على الانتهاء، في ظل اجواء دولية واقليمية ومحلية غير ملائمة. فالعلاقة بين ايران والغرب لا تزال متوترة ولا شيء يوحي باقتراب توقيع الاتفاق النووي بين الطرفين. زد على ذلك الشرخ الكبير بين المكونات اللبنانية والتنوع الجديد في مجلس النواب. اضافة الى غياب اي ترشيح رسمي حتى الساعة. كما لا يمكن اغفال ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل وما سيكون له من ارتدادات على لبنان سواء كانت نتائج المفاوضات سلبية ام ايجابية.

من الواضح ان لبنان سيدخل مرحلة من الفراغ الرئاسي، ولا احد باستطاعته ان يتوقع مدّتها. ما يمكن توقعه ان اسم الرئيس المقبل لن يدخل من عنق الزجاجة بسلاسة على الارجح، والخشية من ان تتكر المشهدية نفسها كما كل مرّة ويأتي الرئيس على "الحامي"...
الأكيد حتى لحظة كتابة هذه الاسطر ان تسوية ما حصلت للاتيان بحكومة تمنع حصول فراغين.. تسوية قد تكون ابرز دوافعها منع عون من البقاء في بعبدا عبر سحب كلّ الذرائع منه. فكيف تكون معالم المرحلة المقبلة؟ وهل بات الفراغ عرفا يكرّس نفسه للتسويات الاقليمية والدولية التي تأتي برئيس؟

 

مقالات مشابهة

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني