التوابيت العائمة التوابيت العائمة
التوابيت العائمة

خاص - Sunday, September 27, 2020 7:07:00 AM

النقيب السابق لمحامي الشمال، الوزير السابق رشيد درباس 

جارٌ أنا للبحر منذ الأفقِ أراقبه معظم يومي في حالاته كلها.. أتامل زرقته الرقراقة فأتمنى لو كانت سريري، وأعاين لونه الكحلي فأخشى مما خبأ في أغواره، أصادق النورس الذي يجتمع على الموائد الصخرية قبالة شباكي، فأرى الريح رخية تنفخ الأشرعة هوناً، ثم يفاجئني جنونها، وما تثيره من غضب الموج على غير انتظار... صديق أنا للبحر منذ خمس وسبعين، ومع ذلك لم تخدعني سكينته ولم أغفل عن غدره إذا ما غضبت العناصر.

يوم الخميس استضافني الأستاذ مرسال غانم بمعيّة النقيب الحبيب الدكتور ملحم خلف، فعشنا ساعة حيّة مع هول الموت، ومع مأسأة الرغبة في الموت، مع والد دفن طفله في قبر من ماء البحر...

في تلك اللحظة تنصّلت من صداقة البحر، وكرهت طعم الملح الذي رضعه الطفل من شدة عطشه فأودى به إلى مقبرة الموج. حدّثت نفسي وقلت لها ألا تباً للبحر، فأجابتني بل تباً للبر وغدره، وتباً لأهل السياسة فيه، وتباً لقساة القلوب الذين يعيشون في مدينة كانت لؤلؤة الثغور، فأصبحت أفقر مدن شرق المتوسط رغم ما فيها من مرافق مهملة، وفرص عمل موؤدة، وتاريخ في الثقافة يجري ردمه بركام التخلف والخرافات.

لفتني بعد الحلقة، الزميل والإبن روني عريجي الى قول L’Abbé Pierre:

“ Les hommes politiques ne connaissent la misère que par les statistiques. On ne pleure pas devant les chiffres.”

وترجمة هذا انّ السياسيين لا يعرفون البؤس الا بالاحصاءات، ولكن الناس لا يبكون أمام الأرقام.

انا أحاول في هذه الرسالة أن أنفذ الى القلوب لا الى الآذان.

شرب الطفل زجاجتين من ماء البحر بلهفة العطشان، ثم أضاف أبوه على الشراب ملعقتين من حليب مجفف، فاختلط سمّ هذا بدسم ذاك، فأسلم الروح، لكنّ الوالد تريّث ليومين قبل أن يسلّم الجثة إلى العُباب.

بعد هذا رمى واحد بنفسه وسبح يومين إلى أن قيّض الله له، بعد أن نهشت جلده الأسماك وصعقته قناديل البحر، أن تصادفه سفينة لليونيفل، فكانت المعجزة وتحقّق بصمود هذا الرجل المحروم من الطعام والشراب، إنقاذ الأرواح الباقية التي أرسلها المجرمون للموت المحتوم بعدما خدعوا

المهاجرين الافتراضيين وسلبوهم الطعام والحقائب والمياه والهواتف، وزوّدوا المركب بقليل من المحروقات لكي يغرق بمن فيه، فترخي الأمواج بذلك ستارها على تلك الجريمة العمدية الموصوفة.

أثناء الحلقة، بُلّغت أن صديقي المناكف الياس أبو صعب وضع ثقته بي مع السيدة الفنانة العظيمة زوجته جوليا بطرس، فأمّن مليوني ليرة شهرياً لكل من العائلات الخمس المنكوبة على مدار سنة كاملة، ولكنه طالب التكتّم على اسمه، فرفضت لكي أثير حميّة الآخرين بعد حماسة ابن ضهور الشوير وتعاطفه مع المأساة الطرابلسية.

في الليلة نفسها تلقّيت تبرعات كثيرة منها مئة مليون ليرة من خليل العرب، خصص منها 20 مليون للوالد الذي فقد ولده، ولقيت دعوتي بإنشاء صندوق لطرابلس تجاوباً من الاخوة ناجي مصري وسعيد حلاب وحسان عز الدين وخير الدين الجسر، جزاهم الله الخير جميعاً، وكذلك جزى الله مارسال غانم وميشال المر الخير ذاته.

صديقي المزمن نبيل ذوق زارني يوم الجمعة والدموع في عينيه وقال:

"L’évenement chasse l'autre"

الحدث يطرد سابقه.

واستغرب كيف أنّ "شختورة" استطاعت أن تحتلّ الإعلام والأنفس والعقول النبيلة، فيما لا تزال أشلاء مرفأ بيروت قيد التحقيق، ثم طلب مني أن أوصل فوراً مبلغاً لتلك العائلات، فنفذت رغبته.

في خضمّ الأزمة السياسية والاقتصادية حذّرنا الفرنسيون أنه إذا لم يتم التوصل إلى حكومة سريعة فإنّ مطار بيروت سيعجّ بالنخب اللبنانية المغادرة إلى غير رجعة. ولكنّ ما نراه الآن هو أن البحر يعج بالفقراء على متن "التوابيت العائمة" هرباً من جهنم التي وعدنا بها.

جاء في الكتاب الكريم :" يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ" ، لذلك فضل هؤلاء الفقراء أن يملأوا البحر على ملء جهنّم.

قال تشرشل: "إن الرجل السياسي هو الذي يتوقع الكارثة قبل حصولها، ويشرح للناس بعد ذلك كيف تمكّن من تفاديها".

وفي التوراة أن وادي Gehinnom وادٍ صغير في القدس، كان بعض ملوك يهودا يقومون بالتضحية بأولادهم حرقاً لإرضاء يهوه، ولقد تم تحريم هذه العادة فيما بعد.. فهل يا ترى جرى تحليلها في هذه الأيام حتى بتنا على شفا جهنم، او فريسة لأشداق الموج؟

ملاحظة أخيرة وهي انّ جهنّم مصدر للطاقة هائل، والبحر أيضًا! أترى سيتعهّد وزير الطاقة الجديد بإطفاء نهار جهنّم وتجفيف ماء البحر؟

 

مقالات مشابهة

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني