خطابٌ.. تكليفٌ.. وملاحظات خطابٌ.. تكليفٌ.. وملاحظات
خطابٌ.. تكليفٌ.. وملاحظات

خاص - Sunday, October 25, 2020 7:09:00 AM

النقيب السابق لمحامي الشّمال، الوزير السابق رشيد درباس

ظهر الأربعاء الماضي خرج فخامة الرئيس على اللبنانيين بخطاب خلا من الابتسام وتوارى فيه التفاؤل.
كان عتابه مريراً وشاملاً ومباشراً، فلم يستثنِ أحداً من الحضرة السياسية، بما فيها حزب الله الذي نال منه نصيباً مضمراً بين طيّات الكلمات. لم يُخفِ خطورة الأوضاع كما يفعل بعض الرؤساء، بل ظَّهرها بكل بشاعتها لكنّه صنّف نفسه شاهداً عليها، متنصّلاً منها، لأن الرئاسة بنظره أصبحت خالية من الدسم.
قال كلمته ولم يمشِ.. فحسناً فعل، ذلك أنّ خلوّ السّدة ينطوي على مخاطر هائلة وخلل مدمر، إذ عانينا منه ثلاث سنوات كانت فيها حكومتنا - أي حكومة الرئيس تمام سلام - تقوم مقام الرئاسة بأضيق الحدود وأصعب الظروف.
ما أثار استغرابي في كلمة فخامته، أنه تجاهل واقعة أنه منذ دستور الطائف، لم يأتِ رئيس مارس قدراً من السلطة والتحكم قدر ما مارسه الرئيس عون، فقد كان انتخابه نتيجة استعصاء طويل أفضى إلى رضوخ شبه عام، فتولّى منصبه مدجّجاً بإتفاقَيّْ مار مخايل، ومعراب، وأمسك الدولة من وسطها من خلال تسوية بيت الوسط التي تمّت بين جبران ونادر، وقد كان الوزير السابق نهاد مشنوق أحد عرّابيها المتحمّسين، كما أنه كان يسيطر على أغلبية المجلس من خلال حصته وكتلته وحلفه.
ظهر الخميس خرج الرئيس سعد الحريري من اجتماعه مع فخامة الرئيس مكلّفاً بتشكيل حكومة المهمة، ليدلي بتصريح مكتوب، ثم غادر دون أن ينبس بتصريح أو ابتسامة.
أما قبل ذلك، فكانت مشهدية الكتل وأشكال التصريحات مدعاة ملاحظات سريعة، أهمها:
الرئيسان ميقاتي وسلام سمّيا الرئيس الحريري ونصحا الرئيس عون بالتخلي عن غضبه وتسهيل مهمة تشكيل الحكومة.
كتلة الجمهورية القوية (القوات اللبنانية) أدلت بلسان الاستاذ جورج عدوان بمطالعة أعتقد أنّ كاتبها عانى كثيراً قبل أن يقتنع بها، ولذلك لم يفلح أبداً باقناع أحد، لأن كتلة تضم هذا العدد المحترم من النواب، ولها هذا القدر من التمثيل المسيحي، لا يستقيم موقفها بضرورة تشكيل حكومة المهمّة على الشكل الذي شرحته، فيما يفوتها أن تسمّي أيًا كان لرئاستها؛ الامتناع هنا يتقاطع مع امتناع التيار الوطني الحر، رغم القطيعة بينهما، فكأني بالتيارين اللذين يمثلان أغلبية مسيحية من موقعيْن متعارضيْن، يفضّلان معاً تأليف حكومة رشيقة القوام، أنيقة الهندام، نزيهة نبيهة، مفتولة العضلات، ولكنّها من غير رأس، ربما لرغبتهما، متّحدين أو منفردين بأن يُخَلِّقا لها رأساً يجري توليفه في مختبراتهما الفكرية، وفقاً لرؤيتهما في بناءالأوطان.
الكتلة القومية فاجأت المراقبين، إذ تخلّى الأمين أسعد عن حرده، من غير أن يتخلى عن اسم عائلته طبعاً، وأشترك في تأييد المرشح الموجود من باب المنطق السائد بضرورة التمسك بفرصة الإنقاذ.
الاستاذ نهاد مشنوق كان مفاجئاً أيضاً، بعد الحملة الممنهجة التي يشنها موقعه الالكتروني ضد الرئيس الحريري، فأثبت حصافة من جهة، ثم تخلّى عنها في الجزء الثاني من تصريحه الذي كان يمكن تلافيه. فالأمانة تفرض الشهادة أن الوزيريْن المشنوق وباسيل المتجاوريْن في مقعديْهما في حكومة الرئيس سلام، لم يختلفا مرة في موقف، بل تضامن معه فغاب عن الجلسة التي قاطعها جبران بحجة مراعاة الميثاقية، كما أنه مثّل الرئيس الحريري في حفل تنصيب الوزير جبران على رأس التيار، وابتلع صرخات الاستهجان التي قوبل بها، لأنه كان قد بدأ في تحمية النار تحت طبخة التسوية لرئاسية، التي نال غنمها في البداية ثم أنكرها بعد خروجه من دائرتها.
تبقى الملاحظة الأخيرة، وهي أن رئيس الكتلة الأرمنية النائب هاغوب بقرادونيان كان أبلغ المتكلمين، إذ قال بلغة عربية قرشية فصيحة خالية من الهجنة: نؤيد الرئيس الحريري لأننا لم نجد مرشحاً آخر. وترجمة ذلك باللغة الأرمنية التي تعلمتها من البارون النيبل أغوب دمرجيان : "بابا.. جينا.. ما شفنا حدا غير حريري..أيّدناه"
حاولت من خلال هذا الاستعراض وهذه الدعابات أن أختلس منكم ابتسامة تفاؤل، لم أجد لها أثراً في لقاءات الاستشارات، مستذكراً قول أبي ماضي :
قالَ السَماءُ كَئيبَةٌ وَتَجَهَّما قُلتُ اِبتَسِم يَكفي التَجَهّمُ في السَما
أختم هذه المقالة بصرخة جريحة:
ما كان أقبح إطلاق النار بعد التكليف، وما أقحب المطلقين، بل وما أقبح الدولة العاجزة.

 

مقالات مشابهة

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني