بعد 3 أشهر على انفجار المرفأ... اهراءات مسكونة وأرواح مخبأة في زوايا الدمار: اللقاء صادم وهذه تفاصيل رحلة الألم! بعد 3 أشهر على انفجار المرفأ... اهراءات مسكونة وأرواح مخبأة في زوايا الدمار: اللقاء صادم وهذه تفاصيل رحلة الألم!
بعد 3 أشهر على انفجار المرفأ... اهراءات مسكونة وأرواح مخبأة في زوايا الدمار: اللقاء صادم وهذه تفاصيل رحلة الألم!

خاص - Tuesday, October 27, 2020 2:07:00 PM

 

3 أشهر مرت، لا أعلم كيف لكنها مرت.... آخر ما أذكره كان يوم 4 آب حوالي الساعة السادسة عصرا عندما ارتج الزجاج من حولي في أعالي كسروان ضحكت!

ضحكت ظنا مني بأنها هزة أرضية... ضحكت خوفا من أن يكون ما شعرت به صحيحا! ضحكت لعل الواقع يتغير... ضحكت وكانت المرة الأخيرة التي تسلحت فيها بضحكتي التي تلاشت وحلت مكانها الدموع!

وبعد كل ذلك الضحك شردت بأفكاري... بعد أن واكبت الحدث وكتبت أخبارا أبحث من خلالها عن مفقودين لا أعرفهم، طلبت الدم لأشخاص لم أرهم يوما ونعيت شهداء غرباء... شردت بأفكاري وانتقلت فيها الى عالم التقديرات والتكهنات والتساؤلات... سألت نفسي كيف سيمر الغد؟ هل ستشرق الشمس على مدينة مدمرة غارقة بدمائها! كانت المرة الأولى التي تمنيت فيها لو أن الشمس لا تشرق، لعل ظلمة الليل تبقي الدمار وبرك الدم وأشلاء الناس مخفية... ففي الليل كل يبكي على وسادته بمفرده! ثم أدركت أن في تلك الليلة بالتحديد آلاف الأشخاص لم يبق لهم لا منازل ولا وسادات!

ثم أشرقت الشمس، خافتة وخائفة... تلك الشمس التي خافت من أن تحرق الذكريات وأن تجفف بحرارتها دماء سقت أرض العاصمة... صدقوني أنني لم أكن أعلم أنه سيأتي يوم أكتشف فيه حبي لتلك المدينة... لم أكن أعلم أنني سأذرف كل تلك الدموع على أشخاص لا أعرفهم... لم أكن أعلم أنني سأبكي الحجارة والأبنية والمنازل والطرقات.... غريب كيف أننا لا نعلم فعلا قيمة الأشياء والأماكن الا بعد فقدانها!

بعد أن رحلت بيروت رحلت قطعة من قلبي معها! جلست على مكتبي في ذلك اليوم، وبدأت بالكتابة، رثيت هالة وجهاد والعروس سحر وكرت السبحة.... أصبحت في كل يوم أرثي عددا من الأشخاص، من الشباب بالتحديد بينهم طلاب وأمهات وآباء وأزواج وأصدقاء... والأصعب كان الأطفال، فكيف أنسى قصة ألكسندرا ابنة الـ3 أعوام... كيف أمحو من ذاكرتي كيف تمنيت لو تمتد يدي وتمسح دموع والدة جو عقيقي وهي تصرخ لابنها كي يعود... رالف وجو نون وشربل حتي وشربل كرم ونجيب ورامي ومثال وجو بو صعب وايلي وحسان.... هؤلاء الذين تحولوا الى صورة معلقة على باب مركز الدفاع المدني في بيروت!

وان كنتم تسألون لماذا قررت أن أعود الى الرثاء اليوم، فسأخبركم أنني وبعد 3 أشهر على مرور الانفجار تجرأت على المرور من هناك... ذهبت لأتفقد ما بقي من العاصمة لكنني لم أتمكن من ايجاد شيء! لم أتمكن من الرؤية فالدموع حرقت عيناي ووجنتي، لم أكن أعلم أن الألم لا يزول ولا يخف... لم أكن أعلم أن أصوات الصراخ والألم لا تزال موجودة... لم أكن أعلم أنني مع كل نفس سأتنشق رائحة الدماء البريئة... لم أكن أعلم أنني سأنظر الى الاهراءات المدمرة وأرى عيني غسان حصروتي تنظران الي!

اعتقدت أنهم رحلوا الى مكان أفضل، لم أكن أعلم أنني عندما كتبت رحيلهم بقيوا في عقلي وقلبي... لم أعلم أن مرفأ بيروت سيبقى مسكوننا بأرواحهم! لم أتمكن من تصديق كمية المنازل المدمرة والجدران الزاحلة!

بين الدورة ووسط بيروت، مسافات كنت أمشيها يوميا تقريبا خلال عملي في المنطقة، حفظت المباني والأرصفة والشركات كانت بالنسبة لي حلما أو عالما آخر... لم أكن أعلم أن تلك المدينة ستموت وتقتلني معها في يوم من الأيام... لم أكن أعلم يا بيروت أنهم سيخطفونك من بيننا، حاولت أن أتمسك بك لكن الفراق كان أقوى!

تلك النيران وذلك الدخان... وأصوات المنبهات في السيارات والمباني! البكاء والأحياء الذين حملوا موتاهم وركضوا بهم... لم أكن أصدق أن كل تلك المشاهد والأصوات ستسكن معالمك دائما وستبقى محفورة في مخيلتي!

يا ليتك لم ترحلي، كنت حلم كل لبناني وكل شاب وشابة، كنت الأمل الذي تمسكنا به للبقاء، بقينا لأننا اعتقدنا أنك باقية... لكن بعد رحيلك لم يبق شيء على حاله حتى نحن!

قصتك المحزنة ستحفر في التاريخ وقلوبنا المكسورة ستبقى معك... لعل اللقاء الجديد يكون أجمل ولعل الذكريات الجديدة تخفف من وطأة الألم لتفسح المجال للآمال بالعودة!

 

 

مقالات مشابهة

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني