إحتساب الضرائب والرسوم بالليرة على أساس القيمة الفعليّة للعملات الأجنبيّة إحتساب الضرائب والرسوم بالليرة على أساس القيمة الفعليّة للعملات الأجنبيّة
إحتساب الضرائب والرسوم بالليرة على أساس القيمة الفعليّة للعملات الأجنبيّة

اقتصاد - Tuesday, February 23, 2021 7:04:00 AM

نداء الوطن

ناجي لحود 

بتاريخ 15 كانون الثاني 2021 صدر إعلام عن وزير الماليّة تحت الرقم 114/ص أ بضرورة إصدار الفواتير والمستندات المماثلة لها واستيفاء الضرائب والرسوم بالليرة اللبنانيّة، استناداً إلى المادة 25 من قانون حماية المستهلك، على أن يطبّق هذا الإعلام على جميع المكلّفين من أصحاب المهن التجاريّة والصناعيّة وغير التجاريّة وأصحاب المهن الحرّة، ما يعني عمليّاً إصدار فواتير هؤلاء المكلّفين لزوماً بالليرة اللبنانيّة بما فيها الضريبة على القيمة المضافة وتسليمها إلى شاريي السلعة أو المستفيدين من الخدمة المفوترة.

إنّ المادة 25 من القانون الرقم 659 تاريخ 4/2/2005 (حماية المستهلك) تنصّ على أنّه يتوجّب على المحترف ومقدّم الخدمة تسليم المستهلك فاتورة تتضمّن بيانات محددة ومنها "القيمة الإجماليّة للفاتورة بالعملة اللبنانيّة" بتاريخ إصدارها، وفي حال عدم التسليم الفوري للسلعة أو الخدمة، يجب أن تتضمّن الفاتورة ذكر مكان التسليم وتاريخه وشروطه.

مراجعة المهن الحرّة

نشير فوراً إلى أنّ المادة 17 من القانون ذاته تستثني صراحةً من نطاق تطبيقه، المهن الحرّة والمصارف وشركات التأمين، وحسناً فعل نقباء المهن الحرّة في مراجعتهم وزير الماليّة وحمله على اعتبار أنّ الإعلام رقم 114/2021 المذكور لا يسري على أصحاب المهن الحرّة، بحيث لا يكونوا مُلزمين بإصدار فواتيرهم بالليرة اللبنانيّة.

إلا أنّ مقاربة هذه المسألة تتجاوز الاستثناء النصّي المذكور إلى ما هو أشمل، ذلك أنّ وزير الماليّة لم يكتفِ بالإعلام أعلاه بل أصدر قراراً تحت الرقم 893/1 بتاريخ 21/1/2020 فرض فيه تسجيل العمليّات التجاريّة وعناصر الأصول والخصوم التي تتأثّر قيمتها بتقلّبات أسعار العملات الأجنبيّة في السجلات المحاسبيّة بالليرة اللبنانيّة وفقاً لقيمتها الفعليّة بتاريخ حصول العمليّة، وأنّه سبق أيضاً لديوان المحاسبة أن أبدى رأياً استشاريّاً بتاريخ 24/12/2020 بوجوب اعتماد "الأسعار الرائجة في السوق" عند تخمين سعر المتر العقاري بالليرة اللبنانيّة سواء تناول الموضوع عقد البيع أو الشراء أو تسوية مخالفات البناء.

بدايةً، إنّ المادة 25 من قانون حماية المستهلك لا يمكن أن تعني، بل على العكس، أن تحدد القيمة الإجماليّة للفاتورة بالعملة اللبنانيّة وفقاً لأسعار السوق، طالما لم تشر صراحةً إلى القيمة الفعليّة، ولا يمكن أن تستوفي الضرائب والرسوم على قيمة متحرّكة للفاتورة سواء عند التسليم الفوري للخدمة أو السلعة، أو بصورة أولى عند التسليم المؤجّل.

تحديد سعر الليرة

إضافةً إلى ذلك، وهذا هو الأشمل والأهمّ، أنّ الجهة المخوّلة بتحديد سعر رسمي لليرة اللبنانيّة هي المجلس النيابي ما يعني أنّ هذا السعر يتحدد بموجب قانون. إنّ القانون اللبناني لا يحظّر التعامل بالعملة الأجنبيّة، بل إنّه لا يسمح بأن يرفض أحدنا قبول العملة اللبنانيّة كعملة إبراء على ما ورد في المادة 192 من قانون النقد والتسليف. من هنا القول انّ المصرف المركزي ليس الجهة المخوّلة لتحديد سعر الصرف الرسمي للعملة الأجنبيّة، بل أكثر من ذلك ليس هناك من سعر رسمي للعملة الأجنبيّة في لبنان.

إنّ حجتنا في ذلك أنّ قيمة الليرة اللبنانيّة بالنسبة للذهب والعملات الأجنبيّة، وتالياً قيمة العملات الأجنبيّة بالنسبة للعملة الوطنيّة، إنما تحدد، على ما قلنا، بقانون يقرّه مجلس النواب أو بمرسوم متخذ في مجلس الوزراء بتفويض من مجلس النواب، بدليل أنّ المادة 2 من قانون النقد والتسليف نصّت صراحةً على ما يلي: "يحدد القانون قيمة الليرة اللبنانيّة بالذهب الخالص"، وهذا ما أكدته هيئة التشريع والاستشارات في رأيها الصادر تحت الرقم 881 بتاريخ 9/10/1985، مرتكزة في ذلك على المادتين 2 و 229 (نقد وتسليف)، تلك المادة الأخيرة التي تشير إلى مرجعيّة القانون في تحديد سعر الليرة اللبنانيّة وإلى السعر الانتقالي لها وفق إجراءات يلتزم بها وزير الماليّة.

إنّ المادة 229 من قانون النقد والتسليف تنصّ صراحةً، في الفقرة الرابعة منها، على أنّ الضرائب والرسوم التي تستوفى عن المبالغ المحررة بالعملات الأجنبيّة إنما تحتسب على أساس السعر الانتقالي القانوني، كما هي محددة بإجراءات احتسابه في المادة المذكورة، وهي إجراءات ملزمة، إلا أنّ الفقرة 4 تضيف ما يحسم الجدل في مسألتنا أنّه "يجب ألا يؤدّي تطبيق معدّل التحويل الجديد إلى أيّة زيادة على الضرائب والرسوم المستوفاة عن مبالغ محررة بالعملات الأجنبيّة"، على أن يحدّد وزير الماليّة، بقرارات صادرة عنه، الطرق الكفيلة بتأمين هذا المبدأ.

مخالفة للأصول القانونية

يُستفاد من كلّ ذلك أنّ التعاميم والقرارات والآراء المشار إليها في متن هذا المقال مخالفة للأصول القانونيّة وعصيّة على التطبيق في ظلّ عدم الاستقرار النقدي الذي يعاني منه لبنان اليوم، وأنّه لا يمكن اعتماد مرجعيّة أسعار السوق السوداء في تطبيق النصوص والقوانين الضريبيّة والماليّة في حين أنّ ما يحصل في هذه السوق هو موضع ملاحقات قضائيّة ترتبط مباشرةً بالربح غير المشروع وضرب مكانة الدولة الماليّة وتبييض الأموال.

إضافة ً إلى ذلك، إنّ تعميم وزير الماليّة وقراره المشار إليهما في هذه الدراسة يناهضان المادة 35 من القانون الرقم 144/2019 (قانون موازنة 2020) التي تنصّ صراحةً أنّه "خلافاً لأيّ نصّ آخر عام أو خاص، تستوفى جميع الضرائب والرسوم والأجور عن كلّ أنواع الخدمات التي تقدّمها الدولة اللبنانيّة عبر مختلف أنواع المؤسسات المملوكة أو المموّلة أو المدارة، كليّاً أو جزئيّاً من قبل الدولة، بالليرة اللبنانيّة فقط... وإذا اقتضت الضرورة معادلة الليرة اللبنانيّة بأيّ عملة أجنبيّة بالنسبة الى أجور بعض الخدمات فيكون ذلك إلزاميّاً وفقاً للتسعيرة الرسميّة التي يفرضها المصرف المركزي اللبناني..."، ما يمكن تفسيره بأنّ ثمّة إجازة تشريعيّة لمصرف لبنان بتحديد التسعيرة الرسميّة للعملة اللبنانيّة بالنسبة الى العملات الأجنبيّة.

إنّ الأدهى في كلّ ذلك أنّ الضرائب والرسوم محددة بموجب القانون الوضعي، هذا القانون الذي يفرض الدستور في مادتيه 82 و 88 أن يُصار بموجبه الى فرض الضرائب أو تعديلها، فكيف إذا كان الأمر يؤدّي فعليّاً إلى زيادة معدّلات هذه الضرائب والرسوم وقيمها في حال اعتماد الأسعار الرائجة في السوق السوداء.

إنّ مبدأ الأمان التشريعي ورافده الاستقرار في مقاربة الحقوق والواجبات، هو ضمانة دستوريّة تعني كلّ المكلّفين، حتى إن أرادت الدولة زيادة إيراداتها عمدت إلى إقرار قوانين خاصة لذلك وقد يكون أهمّها قانون الموازنة العامة.

الرجوع عن التعاميم المخالفة للدستور

دعوة صريحة للرجوع عن هذه التعاميم والقرارات والآراء المخالفة للدستور والقانون، كما هي دعوة أيضاً للمشترع أن يتدخّل مباشرةً أو بتفويض الحكومة بهذا الشأن، على ما حصل سنة 1973 من دون أن تمارس الحكومة في حينه هذا التفويض، وذلك لتحديد سعر انتقالي قانوني جديد لليرة اللبنانيّة بعد استشارة مصرف لبنان، عملاً بالنصوص المرعيّة، وذلك ريثما تحدد قيمة الليرة بالذهب والعملات الأجنبيّة في مصرف لبنان، على ما تنصّ عليه المادة 229 من قانون النقد والتسليف. رغبنا في هذه المقالة أن نساهم في إرساء دولة القانون وقفل الجدال، وإذ بنا نفتح نافذة على التدقيق المالي الواجب حصوله في مصرف لبنان لتقويم موجوداته والوقوف على أسباب الفجوة في حساباته.

 

مقالات مشابهة

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني