لماذا يرفض "التيّار" و"خصوم" نصرالله مُقاربته الحواريّة؟
لماذا يرفض "التيّار" و"خصوم" نصرالله مُقاربته الحواريّة؟

أخبار البلد - Thursday, January 19, 2023 6:00:00 AM

إبراهيم ناصر الدين - الديار

وضع الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الاخير، الكثير من «النقاط» على «الحروف» رئاسيا وحكوميا. رسائله هذه المرة لم تقتصر على «الخصوم»، وانما على «الحلفاء». وبهدوء لافت يعكس حجم التصالح مع الذات، أقر بالعجز عن ايصال مرشح رئاسي من محور المقاومة دون تفاهمات مع «الخصوم»، الذين يحق لهم ايضا رفض وصول رئيس مقرب من حزب الله، وهي معادلة بسيطة ومعقدة في آن واحد، «ما فيكون تمشوا بلانا وكمان ما فينا نمشي بلاكم». وفي المقابل» لا نقبل مرشحكم ولا تقبلون مرشحنا». اذا ما هو الحل؟ الحوار. لكن الفريق الآخر لا يريد الحوار الآن! اما للحليف «الحردان» التيار الوطني الحر، «فالرسالة» واضحة ايضا، عنوانها ما هي خياراتكم؟ لسنا هنا لنخوض معارك «عبثية» خارج قناعاتنا، قد يكون مقبولا خوض مواجهات سياسية منطقية، على خلفية القلق من الاستهداف لتحجيم دور «التيار»، لكن لم يعد مقبولا خوضها تحت عنوان الدفاع عن حقوق المسيحيين... الآن بات الجميع امام مسؤولياتهم فما هم فاعلون؟


 
للإجابة عن هذا السؤال، ترى اوساط سياسية بارزة ان ثمة مسألة تحتاج الى حسم التكهنات حولها، لا حل قريبا دون تغيير في المقاربات الداخلية، بعدما بات محسوما انه حتى الآن لا وجود لأي مسعى خارجي جدي لإخراج الملف اللبناني من «النفق المظلم». ومن التقى بوزير الخارجية الايرانية حسين امير عبداللهيان في زيارته الاخيرة الى بيروت، لمس عدم وجود اي اتصالات جدية من قبل اي طرف خارجي مع طهران حول الاستحقاقات اللبنانية، فلا باريس قدمت «خارطة طريق» تسمح بالقول ان ثمة خطة يجري التسويق لها لدى الاطراف المعنية بالملف، ولا قطر لديها اي تصور واضح في هذا الخصوص، والقطريين لديهم اسئلة كثيرة ولكن ليس لديهم اجوبة. اما الحوار الايراني- السعودي فلا يزال مقطوعا منذ الجولة الاخيرة في بغداد قبل عدة أشهر. وواشنطن مشغولة بقضايا متعددة خارج الشرق الاوسط في مقدمتها الحرب الاوكرانية، ولبنان يحضر فقط على جدول الاعمال من «البوابة الاسرائيلية»، وثمة مَن في الادارة الاميركية لا يزال مقتنعا ان الحصار الاقتصادي المفروض على لبنان يعطي مفاعيل جدية ويمكن الانتظار بعد، وسيؤتي ثماره في الوقت المناسب.

ولهذا فأن كل الترويج لنتائج ايجابية، قد تصدر عن الاجتماع «الرباعي» المزمع عقده نهاية الجاري او مطلع شباط لا تزال في اطار تسريبات «جس النبض» لاستدراج مواقف، واي تفاهمات محتملة بين الدوحة وواشنطن والسعودية وباريس، اذا حصلت، تحتاج الى تسويق لدى الطرف الايراني غير المعني بأي مقايضة على اي ملف آخر، وتصاعد التوتر حاليا مع الاوروبيين يزيد الامور تعقيدا. ولهذا من الافضل «لبننة» الاستحقاق، كما يعتقد حزب الله، لإيجاد المخارج الممكنة بعيدا عن «النكد» السياسي والرهانات الخارجية.

لكن هل يتجاوب «خصوم» الحزب مع هذه الدعوة؟ تستبعد تلك الاوساط الامر، لان ثمة قراءة خاطئة لدى البعض، وفي المقدمة «القوات اللبنانية» التي تعتبر ان حزب الله يمر بلحظة ضعف، ويجب استغلالها لممارسة المزيد من الضغط عليه، بانتظار متغيرات دولية محتملة لن تكون لمصلحة طهران. وبدون اشارات اقليمية واضحة من الرياض حيال الانفتاح على الحزب، لن تدخل هذه القوى في اي مغامرة سبق ودفع ثمنها رئيس «تيار المستقبل: « سعد الحريري عندما استفاد من الغطاء الاميركي لتمرير التسوية قبل نحو ست سنوات وعاقبته السعودية لاحقا. كما يعتقد هؤلاء ان التحالف بين الحزب والتيار الوطني الحر يترنح وهو على حافة الانهيار، وهذا يساهم بعزل الحزب أكثر ويجرّده من اي غطاء خارج الطائفة الشيعية، ولهذا لا داعي للاستعجال ما دام الوقت يعمل ضد حزب الله، كما يظن خصومه.

 
لكن ما لا يدركه هؤلاء، بحسب مصادر مقربة من الحزب، ان الواقعية الحالية ليست ضعفا يمكن استغلاله لفرض تنازلات على حزب الله، بل هي فرصة متاحة يراها الحزب لإمكانية انتاج تسوية داخلية، ما دام الجميع متساوين في القدرة على التعطيل دون القدرة على الانجاز، اما الانتظار والرهان على احتمالات تغيير «قواعد اللعبة» لفرض رئيس معاد لحزب الله فليس الا تضييع للوقت والجهد، وسوء تقدير للموقف، وسيكتشف حينئذ كل المراهنين على ذلك ان الحزب قادر دون ان «يرف له جفن» على «خلع رداء» التواضع والعودة الى خطاب الندية الذي يدرك انه لا ينتج حلا، ولكن يضع حدا للرؤوس الحامية. ولم يخف السيد نصر الله ذلك بالتأكيد على ان المقاومة لا تحتاج الى من يحميها او يدافع عنها، وتملك القدرة على حماية نفسها. لكن لا أحد يريد ان يسمع!.

ومن هؤلاء، حليفه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل المصر على خوض النقاشات العلنية مع الحزب دون طائل، وهو امر سبق وابدى السيد نصر الله انزعاجه منه «بلباقة»، لكن اصرار باسيل على اجراء حوار عبر المنابر، اضطره اول بالأمس الى رفع درجة التخاطب، ورد عليه دون ان يسميه، وبوضوح لا يقبل اي التباس، لفت انتباهه الى ان حزب الله لا يمكن ان يكون اداة لخوض معارك سياسية ليست في مكانها او زمانها الصحيح. والاهم من كل ذلك، ان رد السيد نصرالله على كلام البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي لجهة رفضه مقاربته التي تتحدث عن وجود استهداف للمواقع المارونية في الدولة، اراد من خلالها توجيه رسالة واضحة لحليفه، بان التمسك بالخطاب الطائفي للرد على معركة سياسية في البلد لم يعد مقبولا لدى الحزب، فلا المسيحيون مستهدفون، ولا الموارنة، ولا صلاحيات رئيس الجمهورية، والكل يدرك ان مشكلة باسيل هي الرئاسة الاولى اولا، والقلق من دفع ثمن الخروج من السلطة ثانيا. في الاولى، لا يتفق حزب الله معه على نظرية «انا او لا احد»، ولا يرى ان الوقت قد حان للبحث عن مرشح بديل لرئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية. وفيما يضغط باسيل من خلال «الحرد» والتصعيد الطائفي لإحراج حزب الله، حسمها له السيد علنا بان هذه المعركة لا وجود لها اصلا، ولا يمكن احراجنا بهذا العنوان، خصوصا ان الازمة الحقيقية هي عند الموارنة وليس عند أحد آخر. اما مسألة البحث عن ضمانات، فالحزب لم يتخل مسبقا عن حليفه ولا يقبل إضعافه، ويعمل ضمن حدود امكاناته على حمايته، لكن من يحمي باسيل من خياراته الخاطئة وتكتيكاته التي ثبت فشلها؟ وهو الآن يرتكب خطيئة «استراتيجية» من خلال تعميق الازمة مع حليفه الوحيد.

وازاء ما تقدم، لا يبدو باسيل أفضل حال من «خصوم» حزب الله، وهو مقتنع بضرورة خوض معاركه تحت عنوان طائفي لا سياسي، كملاذ أخير للحفاظ على وضعه ضمن بيئته. «القوات اللبنانية» لن تقدم له «قارب نجاة» عبر تسوية حاول التوصل اليها في وقت سابق للاتفاق على رئيس تسوية، وهي تراقبه «يغرق». وهو ايضا، بحسب اجواء «التيار» بات أقرب الى تبني نظرية البعض في كتلته النيابية لتوجيه رسالة قاسية الى حزب الله عبر اعلان تعليق اتفاق «مار مخايل» حتى تتم اعادة صيانته، فيما لم يتخذ الرئيس السابق ميشال عون بعد موقفا سلبيا او ايجابيا من هذا الطرح.!


كل هذا يحصل فيما البلد يواصل انهياره، وسط خشية من خضات امنية مفاجئة تربك المشهد المعقد. السيد نصر الله حدد الإطار العام الذي يتحرك من خلاله الحزب، فاتحا مخارج معقولة امام حليفه و»خصومه» في آن واحد. قال كلمته ولم يمش، فللبحث صلة وستكون المقاربات اكثر شفافية ووضوحا في المرحلة المقبلة، بعد ان وضع نصرالله «حجر الاساس» لبدء حوار جدي حول «طاولة» يتساوى فيها الجميع بحق «الفيتو». فهل يتلقف الآخرون الفرصة؟ 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) اضغط هنا

 

تسجل في النشرة اليومية عبر البريد الالكتروني